أخبــاربلاد المهجرنبض الساعة

هل تعيش إسرائيل بعقلية “الدولة المهددة”؟

رغم ما تتمتع به إسرائيل من تفوق عسكري واستخباراتي وتكنولوجي، لا يزال الخطاب العام فيها يتعامل مع كثير من الأزمات بوصفها تهديدات وجودية، وهو ما يربطه العقيد الإسرائيلي في الاحتياط أمير نوي بإرث تاريخي طويل من الاضطهاد والملاحقات، ترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي لليهود.

وفي مقال رأي نشره موقع “معاريف أونلاين”، يرى نوي أن السؤال لا يتعلق بحجم القوة التي تمتلكها إسرائيل اليوم، بل بسبب استمرار الشعور بعدم الأمان، حتى بعد عقود من قيام الدولة وتحولها إلى قوة إقليمية.

ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل تمتلك واحدًا من أقوى الجيوش في العالم، وأجهزة استخبارات متقدمة، واقتصادًا متطورًا، إلى جانب قدرات تكنولوجية غير مسبوقة في تاريخها. ومع ذلك، سرعان ما تتحول الأزمات الأمنية أو السياسية أو حتى الخلافات الداخلية إلى حديث عن “نهاية الدولة” أو “خراب الهيكل الثالث” أو “انهيار المشروع الصهيوني”.

ويعتبر نوي أن هذا النمط لا يمكن فهمه بمعزل عن التاريخ اليهودي، إذ عاش اليهود، بحسب مقاله، قرابة ألفي عام في ظل موجات متكررة من التهجير والاضطهاد والمذابح، من الحملات الصليبية ومحاكم التفتيش إلى المذابح في أوروبا الشرقية، وصولًا إلى المحرقة النازية.

ويرى أن تكرار هذه التجارب عبر عشرات الأجيال حوّل الخوف من مجرد ذكرى تاريخية إلى جزء من الثقافة والوعي الجماعي، بحيث بات يؤثر في طريقة قراءة الأحداث المعاصرة.

ويؤكد الكاتب أن التهديدات التي تواجه إسرائيل ليست متخيلة، بل إن بعضها قد يكون وجوديًا بالفعل، إلا أنه يتساءل عما إذا كانت قطاعات من المجتمع الإسرائيلي تنظر إلى كل أزمة من خلال عدسة الذاكرة التاريخية، بحيث يستدعي كل تهديد جديد صورًا من الماضي، ويتحول أي إخفاق محدود إلى مقدمة لكارثة وطنية.

ويستند نوي إلى مفهوم “الإتاحة المعرفية” في علم النفس، الذي يفترض أن التجارب الصادمة تظل أكثر حضورًا في الذاكرة، ما يجعلها تؤثر في تقييم المخاطر والقرارات. ويرى أن هذه الآلية، عندما تصبح جزءًا من الوعي الجمعي، قد تدفع المجتمع إلى تضخيم الأخطار والتقليل من حجم إنجازاته.

وبحسب الكاتب، فإن الحذر كان وسيلة فعالة للبقاء خلال قرون الشتات، عندما كان استشعار الخطر مبكرًا قد يعني النجاة من المذابح أو التهجير. لكنه يرى أن هذه الآلية لم تعد تتوافق بالكامل مع واقع دولة تمتلك مؤسسات وسيادة وقدرات عسكرية كبيرة.

ويذهب نوي إلى أن المشروع الصهيوني لم يكن يهدف فقط إلى إقامة دولة، بل إلى إحداث تحول في العقلية اليهودية، من شعب يعيش تحت تهديد الآخرين إلى شعب يمتلك القدرة على تقرير مصيره. ويرى أن هذا التحول تحقق إلى حد كبير على المستويات العسكرية والاقتصادية والعلمية، لكنه لم يكتمل بعد على مستوى الوعي.

ويخلص الكاتب إلى أن المجتمع الإسرائيلي ما يزال يعيش بين تصورين؛ الأول يستند إلى ذاكرة الشتات، ويرى العالم فضاءً معاديًا يجعل كل نجاح مؤقتًا، والثاني يقوم على مفهوم السيادة، ويعتبر أن إسرائيل أصبحت للمرة الأولى منذ ألفي عام صاحبة القرار الأساسي في مصيرها.

ويعتبر نوي أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه إسرائيل اليوم لا يقتصر على امتلاك القوة، بل يمتد إلى القدرة على إدراك هذه القوة والتصرف وفق منطق الدولة ذات السيادة، بدلاً من الاستمرار في النظر إلى كل أزمة باعتبارها مقدمة لكارثة وجودية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى